مقالاته‌
يا اسامة...

 يا اسامة..  يا أوحد زمانه

نم قرير العين فقد رممتَ المدرسة
 

   منع الجبن و الجهل و الحسد أمة الاسلام حتى من صلاة الغائب على روح أسد الاسلام بن لادن، الذي اصطف بكل جدارة و اقتدار في صف طارق بن الزياد وصلاح الدين الايوبي ومحمد الفاتح، فرسان الامة الذين تركوا آثارا في الخصم الحضاري يدرسها أطفال المدارس.. امتشق أوحد زماننا في زمن غربة الاسلام وانهزامنا النفسي سيوف الفرسان، وفي زمن الخذلان عمَّر فسطاطهم ، وفي زمن تفلسف الجبن والحيل الشرعية زأر زئيرهم ، عاش وخطط ونفذ.. تدرب وتسلح وجاهد.. جمع وربى ووجه.. أحيا مدرسة الجهاد ضد المستعمرين.. مدرسة لم تبق منها أطلال نقف عندها خجلا..

   لما تبنت دول اوربا الرأسمالية نظاما لتطورها الصناعي السريع، دبت فيها روح التنافس ثم التناحر، فلم يروا بلدانهم كافية لهم، فألف ابليس الاستعمار آدم سمث كتابه (ثروات الامم) ليوجه أصحاب القوة العسكرية الناشئة الى استعباد الشعوب وسرقة خيراتها.. فغزا الاستعمار الاوربي بلاد العالمين وأخذت كل دولة استعمارية معها رؤيتها وانموذج نطامها السياسي ولغتها و قيمها واناجيلها.. فاستعبدت الشعوب وأقزمت أمم، ونهبت ثروات في ظاهر الارض وباطنها: توابل وعاج وفرو، ماس وغاز وبترول!!

   نجح الاستعمار الاسباني مثلا في أكثر من خمس و ثلاثين دولة استعمرتها و(أسبنة)تها! لكن نفس اسبانيا اصطدمت في المغرب العربي بالاسلام الغالب فلم تستطع أن تزاحم الاسلام رؤية وفكرا و قيما ولغة وانتماءا حتى في السبتة والمليلة و هي تحتلهما منذ 1514 والى اليوم!! فلم يستطع الاسبان نشر الانجيل فيهما ولا استطاعت أن تنشئ المدينتين على رؤيتها الفلسفية، ولا تجرأت أن تنافس قيمهما الاسلامية بقيمها الجاهلية، ولا استطاعت اللغة الاسبانية أن تزاحم اللغة العربية الدارجة محليا فكيف بلغة القرآن! قل كذلك في الاستعمار البريطاني والفرنسي والهولندي ثم الاستعمار الامريكي، وفي كل بلاد المسلمين.. فزادهم الفشل هذا حقدا على حقدهم الموروث على الاسلام والمسلمين، فقننوه دوليا باسم محاربة الارهاب، وأتوا لغزو بلادنا من جديد! لمنع صحوتنا ونهب بترولنا، وأمن اسرائيلهم.. والغريب أنهم كانوا يطالبون حكام بلادنا دفع تكاليف حملاتهم الاستعمارية من أموالنا المنهوبة المودعة في بنوكهم!

   في بداية القرن التاسع عشر عندما غزوا بلادنا تصدت لهم الدولة العثمانية بجيشها النظامي المستهلك وتصدت لهم الامة الاسلامية باعتبارهم كفارا محاربين دخلوا ديارنا عنوة، فتعين الدفع أي وجب الجهاد.. أفتى العلماء ببطلان حكم الاستعمار وشرعية جهادهم ومقاومتهم.. فقامت الطرق الصوفية في كل مكان بتلبية الجهاد خير قيام.. وكانت أغلب شيوخ الطرق في ذلك الزمان أهل علم، فبرزت معهم مصطلحات: الكفر والايمان، دارالاسلام ودارالكفر، الحاكمية وسيادة الشرع، الايمان والهجرة والجهاد، الولاء والايواء والنصرة.. هذا ما تقرأه من فتاوى الشاه عبدالعزيز (1746ـ1824) وهو ابن شاه ولي الله الدهلوي وما قام به سيد أحمد البريلوي (1786ـ1831) من جهاد ومقاومة الاستعمار البريطاني كان استجابة لفتاوى العلماء الاحناف الذين عرَّفوا بلاد الهند منذ (1821) بدار الكفر.. وفي بنغلاديش قامت الحركة الفرائصية (وكانت حركة سلفية) التي أسسها الحاج شريعة الله (1781ـ1840) بنفس المواجهة.. وهو نفس الرؤية والممارسة عند الشيخ محي الدين شيخ الطريقة القادرية في الجزائر الذي أخذ البيعة من أتباعه على الجهاد و مقاومة الاستعمار الفرنسي، والمقاومة اشتدت في زمن ابنه عبدالقادر الجزائري (1808ـ1883) وكانت حركة جهاده في جوهرها دعوة سلفية كما تظهر في الوثائق المنشورة، وفي كتبه ورسائله عن الايمان والهجرة والجهاد، إضافة الى استفتائه علماء زمانه سواء من كان في الجزائر كالشيخ عبدالسلام التسولي (1843) أم كان خارجها كالشيخ محمد عليش (1802ـ1883) وهو في مكة.. وترى الرؤية الشرعية نفسها وعين ممارسة الجهاد عند الشيخ محمد بن أحمد (1844ـ1885) في السودان والذي تلقب فيما بعد بالمهدي.. هجرة وبيعة وجهاد، انقاذا لدارالاسلام من براثن الكفار المحاربين من الانجليز.. وهو هو ما تراه عند السيد أحمد الشريف (1873ـ1933) في ليبيا و حركة السنوسيين فيها (1850ـ1900) ضد الاحتلال الايطالي. وعند الاكراد ضد الروس والانجليز (1850ـ1950) وعند الحركة النقشبندية في الشيشان و داغستان وجهادها ضد الروس بقيادة الامام شامل (1797ـ1871)..

   الامة كانت أمام رؤية شرعية للجهاد والمقاومة، لذا مارستهما علنا ضد كفار محاربين غزوا بلادنا، فأهانوا ديننا وأزاحوا شرعنا عن الحكم، وقتلوا خيارنا، و حكَّموا بلادنا بضلالات أفكارهم.. وبما أن الجبهتين لم تكونا متكافئتين عسكريا، فانهارت جبهة أمتنا وسقطت رايتنا وأغلقت مدرستنا الجهادية!! ولكن الرؤية الشرعية كانت واضحة..

   حكمنا الغرب الاستعماري دورتين: دورة مباشرة هي زمن الاستعمار، ودورة غير مباشرة بعد الاولي وهي فترة الاستحمار، حيث سلطوا علينا شراذمة ولصوصا وخونة من بني جلدتنا سُلمت إليهم مقاليد الحكم في أغلب بلدان الجذاذ، ليشاركوا الغرب حرب الاسلام، حارس الأمة اليقظ، لتهميشه وإبعاده عن توجيه الدولة و المجتمع..

   وفي مرحلة الاستحمار (من بداية القرن العشرين الى أواسطه) فتَّتوا أمتنا الى ست وسبعين كيانا هامشيا سميت الجميع دولا! وعلى كل منها تابعٌ تجرَّدَ وتبرَّأ تزلفا من الجهاد والمقاومة ومصطلحاتها.. حاول الغرب عن طريقهم إحتواء الاسلام وقولبته حسب رؤيته وتعريفه للدين! أنشأت وزارات الاوقاف ومؤسسات الفتوى الرسمية لإحتواء العلماء.. من ثمراته ما نراه اليوم، في إحدى دول جوار العراق يرتقي خمسة وسبعون ألف خطيب المنبر أيام الجمعة دون أن تسمع من أحدهم عن الجهاد والمجاهدين في العراق همسا!! وهم اخوانهم المجاهدون المسلمون وعرب وأبناء عمومتهم!! وقتالهم الامريكان جهاد بكل الادلة الشرعية التي دونت بها مذاهب أهل السنة والجماعة!

   استقر الغربي في بلادنا زمنا، مارس الحكم المباشر، ثم في يوم احتفالي أنزل عَلَمَه في عدن، ورفع العلم "الوطني"! ومن يومهم ذاك يحكمون بلداننا الجذاذ من بعيد.. حاولوا بكل ما أوتوا من قوة فرض التغريب في تركيا وايران وأفغانستان، وبلاد العرب وغيرها ليضعوا الاسلام في متحف الاديان كما زعموا .. ولكن بعد خمسين عاما من الفشل اضطروا الى فسح المجال لبروز الاسلام لاعبا سياسيا على شرط عدم رفع الشعارات الدينية!! في لعبة الانتخابات الرسمية التي لم يفز فيها الا الحزب الحاكم بأمر الغرب.. واستمرت اللعبة واستمر التهريج.. روَّج بعض الاسلاميين لأوهام دغدتْهم في زمن القهر الحضاري مقتنعين بأن طرد الغزاة لا يكون الا عبر صناديق الاقتراع، فربطوا الآمال بها، رافعين شعارات ملتوية مهربة من قبضة القانون تشبه ترويج منتوج معيب، وأصر هؤلاء على أن هذه اللعبة هي الطريق الوحيد لإعادة مشروعنا الاسلامي الى الحكم! هذه بشارات ما سمى بالاسلام السياسي.. بل الغريب أن بعد موت أوحد زمانه أصدرت بعض الجماعات "الاسلامية" بيانا تمنت فيها انتهاء "تيار العنف".. ولم تتمن انتهاء الاستعمار والإحتلال!! وا حسرتاه..

   في نهاية خمسينات القرن الماضي عندما وقعت الامة تحت وطأة التسلط الحضاري كانت ردود الفعل عند أمتنا تتمثل في ثلاث اتجاهات:

ـ مدرسة الجهاد والمقاومة.. وقد سقطت و سكتت منذ ثلاثينات القرن تقريبا..  

ـ مدرسة العلماء .. وقد انتمت الى مؤسسات الدولة الجذاذ كيفما تكون! وانضم اليهم فيما بعد الجماعات الصوفية..

ـ مدرسة الاسلام السياسي.. وهي التي تصدق ـ مثل العلمانيين ـ أن الغرب سينشر الديمقراطية في بلاد المسلمين، وسيسمح بأهل الاسلام أن يشكلوا البرلمانات و الحكومات على خلفية مرجعيتهم الدستورية!

   واستمر طغيان الغرب وغيه.. وعبثه و بغيه.. واستهتر الحكام بقيم الاسلام وأهله.. بل قامت بعض الحكومات بالتصفية الجسدية لطلائع الاسلام نيابة عن الاستعمار وفعلوا بهم ما لم تفعل أية قوة استعمارية حقودة! فاستوجب الوضع تعريفا جديدا للواقع المفروض مع مراجعة النصوص الشرعية بشأنها.. ها هنا أعيدت مصلحات (الكفر والايمان، دارالاسلام و دارالكفر، الحاكمية وسيادة الشرع، الايمان و الهجرة و الجهاد، الولاء والايواء والنصرة..) وأعيد النظر فيها من جديد، مضافا اليها وجوب الخروج (الثورة) على الحاكم المرتد الذي يحكم البلد الجذاذ بدستور الكافرين.. و جاء منظرون ممن رمم المدرسة الجهادية برؤية آيدولوجية جديدة.. جاء المودودي وسيد قطب، ثم جاءت الثورة الايرانية والجهاد الافغاني لإعـداد الأمة نفسيا.. وجاء الدكتور عبدالله عزام والدكتور عمر عبدالرحمن والدكتور عبدالقادر عبدالعزيز والشيخ علي بلحاج ليأصَّلوا الجهاد عقائديا وفقهيا وفكريا وحركيا.. ومارسته الامة ثانية في الجزائر ومصر وسوريا، وكشمير وجزر مندناو (الفلبين) ثم في أفغانستان وطاجيكستان وشيشان، ثم في كردستان، وارتيريا واوغادين، ثم في الصومال واليمن والسعودية.. ثم جاءت القاعدة لتضرب رأس الافعى بضربة نوعية قلما تستطيع الدول المتمكنة اجراءها، من جرأة التفكير فيها ودقة التخطيط لها وسعة التنفيذ زمانا ومكانا.. فأقزمت القاعدة أمريكا الاستعمارية المستكبرة بين البلدان الغربية، وأرتها كيانا هشا أمام العالمين..  

   فالقاعدة وفارسها الأول هم عَلَم المدرسة الجهادية الجديدة، وتطورها الابداعي تأصيلا.. فكرا، وممارسة عسكرية ومخابراتية وتنطيمية.. وقد خاب ظن من اعتقد و تمنى خفوت التيار باستشهاد بن لادن..

   الجهاد لا يرتبط بالاشخاص.. الجهاد مرتبط بمبرراته.. ومن مبررات الجهاد (إذا دخل الكفار بلدا تعين على أهله الدفع) كما قال ابن قدامة المقدسي في موسوعته (المُغْني).. الجهاد جزء من فقه الاسلام، وقد دونت أصوله، لن يستطيع حاكم أو محكوم، كافر أجنبي محارب أو حاكم مرتد تغيير هذه الأصول.. وممارسة الجهاد اليوم جانب من عودة الامة الى دينها.. جهاد اليوم له علماؤه وقادته وموجهوه.. كما للعقيدة ابن باز وسفر الحوالي والفزازي.. وكما للفقه ابن عثيمين والقرضاوي وأحمد الحجي.. كما للفكر السياسي محمد قطب وعبدالكريم الحمداوي وتوفيق الشاوي.. وللممارسة السياسية أحزابها كالاخوان و الجماعة الاسلامية والعدالة والتنمية.. كما لها رجالاتها من منور حسن والترابي والغنوشي وغيرهم.. فللجهاد كذلك جماعاتها ورجالاتها من القاعدة وطالبان والحزب الاسلامي في أفغانستان الى فصائل العراق وفصائل فلسطين، الى فصائل الصومال واليمن، من المغرب الاسلامي الى جنوب الفيلبين.. بعمق الامة وجغرافيتها..

   الجماعات الجهادية مدرسة اسلامية لها انتماؤها العقائدي ورؤيتها الفكرية، ومنهجها السياسي، واسلوبها في التنشئة الجماعية وادارتها لتنطيماتها وهيكلا لعلاقاتها.. فهي عقائديا تتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة، فهي ليست المعتزلة والقدرية، أو الخوارج والمرجئة، أو الأشعرية والماتوردية، أو التصوف والرافضة.. وفكريا تتبنى رفض الاستعمار الجديد ومؤسساته وفكره وممارساته.. وتؤمن بأن السيادة للشرع والسلطان للأمة.. وأن مؤسسات الحكم آليات ادارة، لا مانع من استحداثها أو استيراد نماذجها الصالحة.. ومسؤليات ادارة الدولة وتوجيه المجتمع مشتركة بين الحاكم والامة.. والامة في وقت السلم يوجه المجتمع المدني عبر العلماء والمثقفين.. من خلال المنبر والاعلام الحر، ووقت الحروب والازمات تصطف جنودا تحت إمرة السلطة.. وعشرات الجوانب الاخرى من خارطة النظرية والتطبيق لمشروعها في كيفية إعادة بناء الدولة والمجتمع.. المدرسة الجهادية تواجه الخصم الحضاري في أشرس الميادين نيابة عن الأمة، كل الأمة..
مشاهدة: 2737 تأریخ: 01/05/2012   طباعة
المزید ...
  1 من‌ 14 الی 14 النهایة  <   >  البدایة