مقالاته‌
رئاسة مصر ليست للمصريين فقط...

مصر أم الدنيا.. كثيرا ما نمزح مع المصريين الفخورين بهذا الوصف المبالغ فيه، ونوقف حدهم مزاحا بالقول (والسودان أبوها)! ولكن لا أشك أن مصر محور مؤثر في توجيه العرب والعجم، الأقربين والأبعدين على السواء.. كانت مصر للفتح الاسلامي المقر والمنطلق. وصرخها الشامخ الأزهر (صرح أمتنا من الف وثلاثين سنة) مصدر الاشعاع العلمي والتربوي. مصر ما قبل الحرب العالمية الأولى كانت الزعيمة والمرشدة للملمة الشعوب المستضعفة وتكوين الحركات وإيقاد شعلة الثورات وإنشاء الدول.. في زمن سقوط منارتنا رمز حكمنا السياسي في اسلامبول وأمتنا في وجوم تحت الهجوم.. صارت دولتنا ستة وخمسين جذاذا وأمتنا ستة وسبعين شللا.. فوجدنا أشلاءنا في غابة داروين يتقاذفها صراع ماركس الأقتصادي تحت رحمة رُسُل أدم سمث في عبثية سارتر ونحن غرقى في سيلهم الفكري الغريب و"الحضاري" المتوحش.. سرقت مصرنا من ضمن ما سرقت.. فإذا هي منارة الدليل ومدرسة التأهيل للنخبة العلمانية التي صارت طلائع التغريب، هذا قاسم أمين وذاك علي عبدالرزاق وذالك طه حسين وها هو نجيب محفوظ ومعه جائزة النوبل! وهؤلاء فرج فودة وفؤاد زكريا حامد أبو زيد.. وتلك هدى الشعراوي ودرية شفيق ونوال السعداوي.. ومئات أسماء أخرى على المستوى الاقليمي والأممي. رغم ما ترى عشرات الشخوص المتقابلة بل مئات على المستوى الاقليمي والأممي كذلك.. فهذا حسن البنا وذاك سيد قطب وذلك محمد قطب وهؤلاء عبدالقادر عودة وأنور الجندي ومحمد الغزالي وتلكمو أمينة قطب وزينب غزالي و بنت الشاطئ.. و فوجئنا بعشرات النجوم الجديدة تلمع بل مئات من نجوم الاغاني القدامى والمحدثين من أحلام (واسمها الحقيقي فاطمة النبوية!) الى أسمهان الى أم كلثوم، الى وريثتها آمال ماهر.. ومن فريد الاطرش الى عبدالحليم حافظ، الى هاني شاكر وعمرو دياب و غيرهما.. ولكن في الصف المقابل أيضا تجد آلافا من القراء و المقرئين للتلاوة المباركة وبأنماط مصرية بحتة.. وكم تربى على أساتذة المقرئين من الحصري والمنشاوي وعبدالباسط وأبو العينين الشعيشع و محمود البنا؟! ثم الأجيال التي جاءت بعدهم من أساتذة القراءات العشر.. الم يقلد العالم المسلم كله أذان الأزهر رغم وجود أذان الحرم المكي؟! ترى جيشا للفن الهابط والعالي من الممثلين و الممثلات، والطبالين و الراقصات، الأحياء منهم والأموات، من سهير زكي ومعاهدها في "هز البطن"! الى فيفي عبدة وهز الردفين ودينا وهز النهدين! تقابلهم كتائب من التائبين و التائبات، الملتحين والمتحجبات من الممثلات والمذيعات من أصحاب المسلسلات الدينية الناجحة، من شادية وشمس البارودي الى هناء ثروت وسهير البابلي وكتائب أخرى منهن اللائي لم تتحمل العلمانية المزورة وجودهن فرمتهن وراء الأضواء خشية الاقتداء بهن! وترى شعراء الكدية الذين ظهروا ثانية جوقة معصرنة في صالونات ما بعد الاستعمار أو بين يدي حكام ثورة الشعارات.. وترى التسيب ودعوات الرذيلة باسم الأدب المكشوف، وأدب ترحيب الغزو الثقافي وتمجيد الإستعمار والتطبيع عند المئات بل الآلاف من أمثال لويس عوض وسلامة موسى ولطفي الخولي وأنيس منصور.. كما ترى أصالة الأدب العربي وتتذوقها عند المئات من أمثال الشوقي والحافظ والبارودي، يميز لك موزونه ومختله عشرات النقاد من العقاد والمازني وشوقي ضيف.. وترى في علماء مصر ورثة العز بن عبدالسلام أمثال الشيخ احمد شاكر ومحب الدين الخطيب والمحلاوي.. كما ترى علماء السوء الذين صاروا أسوأ نموذج لعلماء السلطان، وقد علَّموا مثيلاتهم كيف يرقصون بتلويح الصولجان على أنين الآهات وعتاب الحرمان! والشعب الباني للحضارات يصرخ "طار عقلي"! ومصر بناصريتها المستنسخة من الستالينية صارت تجربة ملهمة للقوى الاشتراكية القومية العربية واليسارية الفلسطينية بل الصومالية والكردية المتطرفة! فسجون طرة وابو زعبل والعباسية وأساليبها في الاستجواب تصطف وبجدارة خلف السجون العالمية كاتراز الامريكية وباستيل الفرنسية وباويك البولندية وخلفها تدمر السورية ومثلث الموت الجزائري وقصر النهاية العراقي! هذه سجون مدنية! وهذه محاكم عسكرية وتلك أساليب المخابرات العامة! هذه مصر صلاح نصر وفؤاد نصار، المثال السيئ لمخابرات الدول الناشئة.. وزارة الداخلية بمصر ما قبل الربيع العربي بملفاتها المزدحمة وخبراتها المتراكمة، مصر التي كانت تبيع خبرات وزاراة داخليتها في تعذيب واستجواب المعتقلين لأغلب وزارات الداخلية العربية والافريقية! ثلاثة من وزراء داخلية السادات ومبارك (النبوي اسماعيل وحسن إلفي وزكي بدر) توظفوا بعد التقاعد لدى وزارة الداخلية في إحدى دول الخليج! ولكن مصرهم كانت مصر جماعة الجهاد والجماعة الاسلامية كذلك برموزها الصابرة عمر عبدالرحمن وأيمن الظواهري والسيد إمام شريف (عبدالقادر بن عبدالعزيز) وعبود الزمر، ثم أنصار السُّنة المحمدية الاولى وسلفيتها المعاصرة. مصر خالد الاسلامبولي وتكبيرة الجهاد الاولى وهي كذلك صاحبة ناجح ابراهيم وبقية أصحاب المراجعات.. فمصر من قرن ونيف كانت ساحة جبهتي الصراع العلمانية والاسلامية فكرا وممارسة.. فوقع زمام الحكم بيد العلمانين حصريا لما يقارب القرن.. وها قد طوى التاريخُ السنين العجاف لعلمانية مصر إضطرارا، فجاء دور الاسلاميين حركة للمجتمع وحكما شرعيا، لدولة جديدة ينتظرها العرب والعجم.. بدهي أن أصبحت مصر ـ بعد ظهور جماعة الاخوان المسلمين ـ المنظرة والمخططة والموجهة. وصدق من قال لنا ونحن شباب (مصر تؤلف ولبنان تطبع والعراق يقرأ).. إخوان مصر صارت ولم تزل المدرسة الفكرية السياسية الأولى وأضحت أم الحركات الاسلامية في العالم العربي وغيره، تخطيطا وتنظيما وتوجيها.. استمع العرب من المحيط الى المحيط لخطب (الرئيس الاوحد جمال عبدالناصر) الحماسية وهي تدغدغ المشاعر القومية الجياشة وتضرب على كبرياء فضحتها نكسةُ 1967 قرعا لطبل أجوف، كما كان عدم انحيازه في ظل خروشوف انحيازا حقيقيا.. واستمعنا نحن الاعاجم مع العرب ـ في زمن مفارقة الدين والسياسة ـ لخطب (الرئيس المؤمن محمد انور السادات) الطويلة لإحتوائها آيات من القرآن! وعلماء بلاطه كانوا يقحمون اسمه خامس خلفاء الراشدين بدلا من عمر بن عبدالعزيز رحمه الله! واستمع معنا العالم (الرئيس محمد حسني مبارك) من شرم الشيخ ـ بعد عناقيد الغضب ـ وهو يلقي كلمته عن خطورة الارهاب العالمية بحضور شيمون بيريز ومعهما رؤساء الحرب في بلاد الحضارة وحقوق الانسان! ومصر كانت يومها تتزعم جبهة المعتدلين الساعين لخنق الفلسطينيين حماية لحدود إسرائيل، ومنعا من قيام إمارة إسلامية كما زعموا! كانت رئاسة مصر للمصريين بمنطوقها، وهي لغيرهم مُثُل بمفهومها.. فهي في كلا الحالين تمثل العقل الجمعي الباطن لكليهما.. هذا كلام عن رئاسات سابقة، فكيف باللاحقة؟! فلابد للشعب المصري من تحمل مسؤوليته التاريخية في اختيار رئيسها، ولابد للرئيس القادم أن يعرف أنه رئيس للمصرين جغرافيا ولغيرهم تاريخيا لأنه نموذج يحتذى عند غيرهم. نحن أهل السنة اليتامى انبهرنا كثيرا بـ (الرئيس محمود أحمدي نجاد) حيث كنا نراه "شديدا على أعدائه، رحيما بشيعته". وكنا نرجع البصر كرتين على كل حاكم لبلاد السنة فكانت أبصارنا تنقلب إلينا خاسئة حسيرة كسيرة! لأننا كنا نرى حاكمنا السارق إما عريفا عسكريا انقلابيا أو باذخا ضاحكا في بلاد البترول يشرب الخمر علنا نخب انتصار القبيلة على الدولة، وحاكما يركع لقطاره الفارغ العلماء والقضاة وأساتذة الجامعات. ورئيس حزب هو تاسع أجهزته القمعية المسلحة بعد الجيش الرسمي والجيش الشعبي والشرطة العسكرية والمخابرات والامن العام والامن الرئاسي والامن الخارجي ومباحث أمن الدولة! والجوعى ينتحرون يائسين من عدم حصولهم على كسرة خبز.. وا حسرتاه.. كم اشتقنا لرئيس يعاملنا بالبِشر ويلتقي بأعدائنا كالبشر.. هذا هو سبب لهفنا نحن غير المصريين الى معرفة مجريات الانتخابات الرئاسية المصرية وتعداد أيامها المتبقية.. نتابع أكثر من بعض المصريين قائمة مرشحي الرئاسة.. نقرأ سيرهم، نقيم رؤيتهم وبرامجهم، ونستمع الى ما يلفظونه حتى نكاتهم، وندرس تقاسيم وجوههم، لعلنا نفرز الوجه من القناع الإنتخابي، نقارن بين هذا المرشح وذاك. ويحتدم نقاشنا فيمن هو الاصلح؟! عبدالمنعم ابوالفتوح بليبراليته على العلمانيين؟ أم محمد سليم العوا بانفتاحه على ايران، أم حازم صلاح أبو اسماعيل البشوش الأصيل؟! والكل فيه الخير.. أم يضحك العسكر ثانية على ذقوننا مع البرادعي وعمرو موسى وممدوح قطب، الذي شكرنا الله على اسمه الثاني ظانين سذاجة أنه من عائلة سيد قطب ومحمد قطب أو من أحفاد حميدة قطب وإذا به مرشح المخابرات العامة! أهل عاصمة حواضرنا التاريخية كانوا يختارون الخليفة. وأهل الحل والعقد كانوا يعطونه البيعة. فتسري البيعة في عنق كل مسلم في شرق دارالاسلام وغربها.. بغض النظر عن تشرذم الامة وتغير الدار وتقطعها، لكن أليس من حقنا نحن غير المصريين أن نفرح ونرحب بمن يختاره أهلنا في مصر رئيسا؟! والشيعي اللبناني والبحريني والباكستاني فرحوا وزيادة بأحمدي نجاد وافتخروا به.. ونحن أيضا أبدينا فرحا ناقصا بفوز (الرئيس عبدالله غويل واردوغان) ونحن نعلم لا هما ولا حزبهما ولا شعبهما أمميون كالمصريين. ولا تأثير لهم آيديولوجيا في توجيه غيرهم خارج تركيا، إلا اللهم نقل تجارب عملهم السياسي التي لا تنفك غالبا عن بيئتهم الخاصة.. فكيف لا نسجد شكرا فرحا برئيس لمصر يكون له تأثير علينا بتوجيهه وآيديولوجية جمعه وموقع مصره، مخزونة أمتنا من الطاقات؟! من حق مصر والمصريين ـ كشعب حي وعملاق مؤثر ـ أن يكون لهم رئيس قوي وحكومة قوية، فهم ليسوا بأقل من شعوب إيران أو شعوب إسرائيل كما ونوعا، ذكاء أو إخلاصا، تخطيطا وتنفيذا.. ومصر تحتاج رئيسا وحكومة أقوى مما لديهما، لأن مصر عُطلت عن عمد وإصرار طاقات بنائها الذات لتتقزم أمام اسرئيل وايران! فلا بد من التسابق مع الزمن تعويضا عما فات، والاسراع في الاصلاح والبناء، والدفاع والنماء. لأن خصوم مصر يعرفون نقاط قوتها وضعفها أكثر مما يعرف عنها أصدقاؤها.. فمصر لم تكن يوما للمصريين فقط.. (مصر أولا)! شعار لا يصلح اليوم لقطر ولا لجيبوتي أو غامبيا! فكيف بمصر العظيمة.. مصر عضو حيوي من تركيبة أمتنا. وحارس أمين على مكونات وحدتنا الثقافية، التي حمتنا ـ بعد معية الله تعالى ـ من التشرذم القيمي كما شرذمتنا قوى الخصم الحضاري سياسيا.. ألا ترى الازهر وأثرها التعليمي والفكري والسياسي والقيمي والتنظيمي في عشرات المؤسسين والقادة في أدغال أفريقيا من أمثال القائد عثمان بن فودي النيجيري الى الحاج عمر التكروري بين موريتانيا والسنغال.. الى الأفغان الكرام، وعشرات الازهريين من أمثال الاستاذ العظيم الشهيد غلام محمد نيازي والدكتور موسى توانا والاستاذ برهان الدين رباني رئيس أفغانستان السابق رحمهم الله، أو في الأعاجم الأبعدين في جزر مندناو المسلمة في جنوب فلبين، متمثلا في القائد الرباني سلامات هاشم الازهري رحمه الله مؤسس جبهة مورو الاسلامية، الى الشيخ محمد خانجيتش البوسني والى الجهات الاربع من المعمورة لتبيان عمق التأثير الفكري قبل الديني للأزهر. وهذا كله يؤكد أن أمتنا تطلع الى رئاسة مصرية أممية مسؤولة.. نفس المقالة في القدس العربية http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\25qpt984.htm&arc=data\2012\05\05-25\25qpt984.htm
مشاهدة: 3925 تأریخ: 28/05/2012   طباعة
المزید ...
  1 من‌ 14 الی 14 النهایة  <   >  البدایة